الخميس، 5 يوليو، 2012

لحظة غفران ..


منذ اشتدت عليها آلام المرض و هي لا تذكر سواها ! .. لا تذكر سوى صورتها الغريبة و هي بجسدها الهزيل الممدد فوق الفراش ، تناضل كي تستمد شهقات قد تبقيها حيّة و لو لدقائق إضافية ! .. عيناها اللتان كانتا تنظران إليها في رجاء و توسل ! .. محاولة النطق بكلمات أسف و اعتذار لم تعد مجدية ! .. يدها المعروقة المرتعشة التي كانت تربت على ساعدها في محاولة للتشبث به ! .. كل ذلك كانت تفعله لأنها لا تستطيع الرحيل من دون سماع كلمة " غفران " منها !


زوجة عمها لم تكن بهذه الصورة منذ خمس سنوات ! .. كانت ربعة ، قوية البنية ، ذات ملامح غليظة تجلد بها كل من ينظر إليها ! .. لم تكن ترغب في أن يقتحم أحدهم بيتها أو يحل ضيفاً عليها حتى و لو ليوم واحد .. لذا لم يكن بوسع الفتاة الصغيرة - التي انتقلت للعيش مع عمها بعد وفاة الأب و الأم - سوى أن ترضخ لجميع أوامرها .. علّها تخفف من حدة جهنم نوعاً ما ! .. كانت تشعر دوماً أنه قد حُكِم عليها بالأشغال الشاقة لمدة لا يعلمها إلا الله ، لكنها تعود فتتذكر أن السجن قد يكون أكثر رحمة من الشارع و العراء !


و لأن ما من شئ ثابت في هذه الحياة .. ما من ألم مستمر ، و ما من سعادة دائمة .. فقد رزقها الله بزوج أهداها كل ما فاتها من نعيم و راحة و أمان ! .. لتمر السنوات .. خمس سنوات ، ثم يأتيها أحدهم ليخبرها بأن زوجة عمها تريد رؤيتها على وجه السرعة ! .. و عندما ذهبت إليها و جلست بجوارها ، راحت تتأمل كل ما فيها حيث كانت تصرخ بالاعتذار ! .. إنها على وشك الموت ، و لا تريد الرحيل و هي موقنة بأن أحدهم سيلعنها في الدنيا ! .. لذا فقد أخبرتها بأنها تسامحها و أن السنوات الماضية كانت كافية أن تنسيها كل ما حلّ بها على يديها .. لتنم العجوز بعدها في سلام !


في الواقع و طوال كل هذه السنوات بعد رحيل تلك المرأة .. كانت تعلم جيداً أنها لم تسامحها تماماً بعد ! .. و إنما أُرغِمت على النطق بالغفران و الاعتراف به أمامها كي تمنحها الراحة قبل قيام ساعتها ! .. الغفران الحقيقي يحتاج إلى وقت مماثل لذلك الذي تلقى فيه المرء الإساءة ! .. الغفران لا يأتي في لحظة ، فالإساءة لم تكن في لحظة ! .. لكنها الآن و بعدما ألم بها المرض و اشتدت آلامه على جسدها ، و هي لم تعد تشعر أنها تحمل في قلبها أي شئ كريه و مخيف تجاه أي شخص ! .. وحدها رحلة الاقتراب من الموت و مواجهته - حتى لو لم تصل إليه بعد - هي التي تظهر كل شئ في عينيك على حقيقته .. و بحجمه الطبيعي الصغير .. المتناهي في الصغر !

هناك تعليقان (2):

  1. هعلق على جملتين .. الأولى:
    "ما من ألم مستمر، وما من سعادة دائمة"

    دايما في قصصك بتعرفي فين وامتى وإزاي تحطي أفكارك المرتبطة بالضرورة بالحدث في القصة.. وده شيء مهم وانتي بتعمليه كويس

    التانية:
    "الغفران الحقيقي يحتاج إلى وقت مماثل لذلك الذي تلقى فيه المرء الإساءة"

    ممكن اختلف شوية معاكي هنا.. مش لازم ياخد الغفران نس الوقت المماثل لعملية الإساءة.. فقد تقصر المدة أو تطول على حسب الفروق الفردية البشرية وقدرة كل واحد على السماح والغفران

    الوصف الجيد وسلامة اللغة.. علاماتان مسجلتان أجدهما دائما في قصصك

    بالتوفيق دايما

    ردحذف
    الردود
    1. دايماً فاقسني كدة يا ضياء .. آه بصراحة الأفكار بحاول أوظفها ف قصص على قد ما أقدر .. :D

      و بالنسبة للغفران بقى .. فإنت ممكن يكون معاك حق .. بس أنا شايفة الموضوع مابيبقاش له دعوة بالشخص قد ما بيبقى له دعوة بـ " حجم الإساءة " نفسها .. والله أعلم .. ^^

      حذف