الأحد، 4 ديسمبر، 2011

شرنقة ..


لم أفهم ما قاله ! .. طلبت منه أن يكرر كلماته القليلة تلك ، لكني لازلت لا أدرك شيئاً ! .. فقط ذلك الإصرار في عينيه جعلني أصدق ، رغم هذا لم يمنعني ذلك الصدق من كل تلك التساؤلات التي كانت تعصف برأسي ! .. في لحظة لم أكن أتوقعها انطلق لساني بأول سؤال ، لكنه لم يجب ! .. هنا قررت أن أصمت و أحتفظ بأسئلتي لنفسي بعدما بدوت أمامه – و أمام حالي – كإحدى هؤلاء " المجانين " الذين يحيطون بنا !


كنت أريد فقط معرفة ماذا يقصد بكلمة الحب تلك التي أخبرني بها ! .. كنت أريد معرفة الأسباب .. فقط كي أفهم ! .. لا أحد يعلم عني شيئاً و ربما لا أعلم أنا عن نفسي الكثير ، فكيف قرر أن يواجهني بتلك الحقيقة بكل ما كان يحمله من صدق و إصرار ! .. لقد عشت و أنا أبحث عن معنى " الصداقة " أو بالأحرى و أنا أحاول فهمها .. فكيف يمكنني إذن أن أدرك علاقة الحب !


أشياء كثيرة أحاطت بي منذ أن ولدت جعلتني أكتفي بعالمي الصغير .. و أحتفظ به كما هو ! .. أبي و أمي و أنا ! .. كل منا اكتفى بالآخر ككل ما يملكه في هذه الدنيا تقريباً ! .. رحل أبي و أنا في العاشرة و لم يترك سوى البيت و " ألبوم الصور " حيث تظهر ابتسامته فيه نادراً ! .. احتفظت أمي بذلك العالم رغم حدوث تلك الفجوة الكبيرة برحيل والدي .. أغلب ظني أن دمها الإنجليزي بما يسري فيه من أرستقراطية صامتة ساعدها على ذلك ! .. أما أنا فحاولت أن أساعدها فيما كانت ترغب فيه و تحاول أن تفعله رغم غرقها في الصمت معظم الوقت !


أعلم أني لا أحمل ملامحها الثلجية الصافية ، لكني ورثت من صفاتها الكثير .. إن لم يكن كل شيء ! .. أرستقراطيتها الفطرية .. هدوئها المميت .. حبها القوي للقراءة .. كان يجب أن نشعر بأن هناك من يحدثنا في ذلك العالم الموحش .. فلم يكن أمامنا سوى الكتب ! .. وحدها الأوراق هي من تفهمك .. تفسرك .. تواجهك بالحقائق من دون صراع ، حتى و إن اختلفت معك فسوف يحدث ذلك حتماً في هدوء .. لا تحمل صفات البشر القاسية .. لا سخرية ، لا تلصص ، لا خداع .. هكذا علمتني أمي !


لم تندهش عندما أخبرتها بأنني أشعر بالراحة عندما أكون في صحبة " المجانين " – حسبما يطلق البشر عليهم – بحكم دراستي ! .. أستمتع بمواجهتهم ، بالنظر في عيونهم الشاردة ، بأحاديثهم الغامضة التي تحمل أحزان خاصة ، بضحكاتهم التي تشرق من حين إلى آخر من دون أسباب ! .. عندما أصبح بينهم أتخلى عن كل شيء يربطني بحالي .. أتخلى عن نفسي ! .. لقد واجهت الفراق بعد رحيل أبي و ها أنا أواجه الجنون معهم ! .. لم أكن أعلم أنني أحمل كل تلك الشجاعة حتى أواجه هذه المخاوف التي تؤرق هؤلاء البشر !


حسناً .. عليّ أن أعترف أنني لست شجاعة بالمعنى المطلق ! .. لازلت أهرب من مواجهة بعض الحقائق بزعم أنني لا أستطيع فهمها ! .. أكتفي بصداقة الأوراق بدلاً من البشر ، فأنا لست قادرة على تخيل حالي ملتزمةً بمباديء تلك العلاقة .. لا أملك القوة التي أساعد بها نفسي فكيف لي أن أساعد غيري ؟! ، لا أملك ما يجعلني أتخلى عن صمتي لأجعل الوقت مزدحم بأحاديث و نظريات و نصائح ! ، لا أملك سوى المتابعة و الوقوف من دون حراك ! ، لا أملك سوى النظر إليه و هو يسير تحت المطر .. أن أطيع عقلي الذي لا يجد ما يفكر فيه سواه ! .. و أحياناً لا أملك سوى يقيني بأنه مختلف حتى و إن كان مجنوناً مثلهم .. كما يدّعون !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق