الاثنين، 5 ديسمبر 2011

قطع من الشمس ..


صار يتعامل مع من حوله بابتسامة رضا حلوة هذه الأيام .. لم يعد يبدو على وجهه آثار الإجهاد الشديد رغم أن الحال لم تتغير ، لا يزال يمر بفترات قد يعمل فيها لأسبوع كامل من دون دقائق نوم خاطفة ! ..  أيام معدودات و سيستقبل زوجته و ولده ، ليختفي شيء من وحدته و ليشعر بذلك الاكتمال الذي سيعينه على المواصلة ! .. حرص طوال تلك الفترة على ألا يخوض معها في تفاصيل ما تشعر به .. أو بالأحرى ما يؤلمها ! ، فهو يعلم أن سعادته منقوصة .. الأسف و الحزن يعكران صفو ذلك الرضا و تلك الفرحة !


كيف يشعر بالرضا الكامل و هو يعلم أنه السبب في حزنها ؟! .. فرض عليها تلك " الغربة " كما فرضت عليه منذ سنوات ! .. يعلم ما تمر به من استعدادات و أيام مزدحمة بالمهام و زيارات متكررة للسفارة .. يعلم كل تلك الخطوات كعلمه بحالها رغم غرقها في الصمت ! .. و هل يعني الصمت شيء آخر سوى الألم ! .. أغلب المخلوقات لا تزال تجده الوسيلة الأفضل للتعبير عما تعانيه ، حتى تظن أنه المخرج الوحيد الذي يمكنها الهروب من خلاله ! .. يستعيد في عقله تلك الأيام الدافئة الأخيرة في وطنه ، فهو لم يحرص على التقاط أو جلب أي صور معه .. و ربما كان يقصد ذلك !


كان مثل الآلة ! .. يتحرك و يعمل ، يروح و يجيء ، يتحدث و يجيب .. كأنه يعد أمر لا يخصه ! .. في لحظات عزلة و تفكير كانت تنتابه حالة سعادة .. منقوصة أيضاً ! .. بقدر فرحه بقرب موعد سفره و هذه البداية الجديدة التي طالما حلم بها ، بقدر شعور الفقدان الذي كان يتفاقم في صدره ! .. لم يودع عائلته .. غادرهم في الصباح كما تعودوا منه على ذلك كأنه ذاهب إلى عمله اليومي ! .. غادر في جمود .. في صمت .. بلا أحاديث مكسورة لا تخلو من نصائح ساذجة .. بلا عبرات ساكنة مترددة غير مصدقة لما يحدث و ما سوف يحدث .. بلا عقول شاردة تحاول الهرب من أي محاولة للإدراك فتصر على أن ما تعيشه ليس سوى حلم ثقيل !


لم يكن عليه العمل بكل تلك الطاقة المستمرة ، لكنها كانت محاولته الجديدة للهروب ! .. لم يعد في عزلة ، أضحى يعيش وحدة كبيرة في بلاد القلوب الثلجية ! .. أينما سار يرى الحضارة تحيط به في كل مكان إلا أنها كسعادته .. منقوصة ! .. ربما لإنه يراها فقط و لا يشعر بها ! .. سرعان ما أدرك حقيقة البشر في هذه البلاد .. أبنيتهم تحمل جزء كبير من إنسانيتهم بما فيها من جمال و ذكاء .. و إحساس أيضاً ، لكن لم يكن هناك ما يتسم بالنقصان سواهم !


صار يردد بينه و بين حاله .. " هؤلاء البشر لا ينقصهم سوى أن يكونوا بشر ! .. ربما يحتاجون إلى شمس مثل تلك التي هجرتها رغماً عني بحثاً عن الرزق ! .. أجل ، أعيش في تلك البلاد الغريبة معاناة قاسية ، إلا أن ذلك لا يمنعني من أن أشتاق إلى عذاباتي الأولى .. يحن قلبي رغماً عني إلى عذابات بطعم الوطن ! .. إنني الآن أحاول التمسك بأي قطعة ترسلها لي بلادي .. التمسك ببشر أرّقهم التفكير في غدهم و طحنتهم تروس المعاناة اليومية ! .. بصور تحمل في زواياها غضب يهدم الأسوار فينير الأجواء و الطرق .. بسطور مبعثرة قليلة تذكرني بصخب المشكلات و تفسر فلسفة حياة معقدة من ألسنة أناس بسطاء ! .. لم يعد يسعني سوى الانتظار .. انتظار وصول قطع من الشمس ! " .. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق