الخميس، 15 ديسمبر، 2011

.. إلى الروح !


" سنبيع البيت " .. تلقاها في صمت رغم علمي أنه كان ينتظرها ! .. أخي الرقيق لديه الوقت للحزن على أشياء باقية و راحلة .. و أخرى سترحل ! .. سنبيع البيت أو بالأحرى سأتخلص أنا منه .. صمتك الدائم شجعني على ذلك ، و أرجوك لا تحاول أن ترمقني بنظراتك تلك كأنك تأمرني .. أنت تعلم أنه لم يعد لك وجود .. لم تعد كائناً في تلك الحياة .. حاولت كثيراً أن أخبرك بذلك و أقنعك به ، و لكن .. كيف أجادلك و أنت أبي ؟!


إرادتك ! .. إرادتك القوية الرافضة لكل شيء تقريباً ! .. لِم لا تريد أن ترحل إلى عالمك الشفاف الذي صرت منه ؟! .. ما سر تمسكك بهذا العالم الذي نعيشه ؟! .. ما سر تمسكك بالبيت ؟! .. هل ستشتاق إليه إن غادرته إلى الأبد ؟! .. أنت لم تكن تتعلق بشيء .. حبك دائماً كان خاطفاً ! .. ليس لإنك لا تريد أن تضعف ، و لكن لرغبتك في ألا تتمسك بما سيظهر ضعفك هذا ! .. و هل تتوقع أن صورتك الصلبة استطاعت أن تخدعني ؟! .. أنت ضعيف .. كلنا ضعفاء ..


سأتخلص من البيت و من صورتك ، لكني لن أستطيع التخلص منك ! .. أكره بعضي الذي يشبهك بكل ما يحمله من جمال .. صوتي العذب ، وجهي باستدارته القمرية ، أصابع يدي المرسومة ، كل ما أعرفه و ما لم أكتشفه بعد .. أكرهه لإنه يحملك ! .. لم أخترك و لم تخترني كأننا لسنا بشراً و إنما محض أقدار ! .. كان يمكنني أن أصير ما تريد فقط إن وافقت على أن تصير ما أريد ، و لكنها إرادتك .. إرادتك العنيدة ! .. أخذت قرار أن تكون أباً و أنت لم تكن زوجاً ، قررت أن تصبح زوجاً و لم تكن حبيباً ! .. كيف ؟! .. لست مؤهلاً لأي شيء .. حتى قرارك بأن تظل هنا رغم موتك و أنت لم تكن حياً في يوم من الأيام ! .. لِم ترفض الاعتراف بعجزك إذن ؟!


يصعب إرضاؤك كما تتعسر مواجهتك ! .. لم أخبر أحداً بما أعيشه و لن أخبره ، حتى أخي .. أخي المسكين الذي قرر أن يقضي الليلة الأخيرة هنا في البيت قبل أن يباع .. أصابني الصداع و الملل من حديثه السخيف المليء بالشجن .. يلعن تلك الحاجة التي تجبر المرء على أن يبيع أشياء لم تخلق للبيع .. سعادة ، دموع ، زمن ، حياة ! .. هو مثلي تماماً .. يراك مثلما أراك لكنه استطاع أن يستقل بحياته و يتحدى نفسه ليخلق تلك الأسرة التي كانت تطارده في أحلامه ، و التي لم تستطع أنت أن تصنعها !


" ماذا ؟ ، شاهدته ؟ ، كيف ؟ ، لقد مات ! " .. المسكين اقتحم غرفتي مفزوعاً بعدما أيقظه صوت تلاوتك للقرآن و رآك بعينيه و أنت تصلي الفجر .. لم أعطه فرصة للصمت أو التفكير .. مجرد الصمت يكفي لأن يعطي مساحة لضميره كي يتكلم و يشعره بالذنب ، و مجرد التفكير سيجعله يتراجع عن قرار البيع فقط لإن ظهورك يعني رفضك .. رغم أنك صرت بلا إرادة ، أليس كذلك ؟! .. عموماً لقد كان يريد أن يسمع حديثي أو بالأحرى حديث نفسه الصارخة بالحاجة .. الخائفة من الإفلاس .. أو أنه الفقر !


سأنجح و سأغادرك و لتبقى أو لا تبقى ، هذه ليست مشكلتي .. إنني أريد الرحيل .. أريد الاستقلال .. رؤيتك تقيدني ، تشعرني بأن الزمن توقف و أنني لازلت صغيراً ، تثير ذعري من أن أضحى مثلك ! .. لازلت أفعل ما تريد ، و لازلت ترفض أن تفعل ما أريد ! .. ألا يمكن أن تصبح إرادتك لصالحي و لو لمرة ؟! .. آه لو تتكلم ، لو ترضى ، لو توقن ، لو تؤمن ! .. أراك و لا أحسك ! ، ألقاك و لا أشعر بك ، أجدك و أجهل السبب الذي يجعلني أفتقدك ! .. هذا صحيح .. أبي .. أفتقدك !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق