الخميس، 29 ديسمبر 2011

زحام ..


إلى الأرض أعود من جديد .. وحيداً في البيت ، في الطريق ، في المتجر .. الأحوال تتغير في بطء فأسجن فيها ! .. أحتاج إلى " الوَنَس " و لست وحدي في ذلك ! .. أحياناً أحس أن الجميع على علاقة مع الوحدة ! .. لا يتحدثون إلا عنها ، لا يشكون إلا منها ، هي أحد أسباب المعاناة إن لم تكن السبب الوحيد ! ، و لكن .. كيف يحدث ذلك وسط هذا الزحام الذي يكبر ؟!


لِم لا يصبح للإنسان حياة مزدوجة ؟ .. شيء من السعي في الأرض و شيء من التحليق في السماء ! .. بالأمس فقط كنت أحلق ! .. أرسلها لي الخالق رغم التزامي الصمت طوال تلك الفترة .. الدنيا لا تمنح ! .. إما أن تسلب منك شيئاً أو تجلس في صفوف " المتفرجين " تشاهدك في غير اهتمام و ربما تغمرها متعة المتابعة !


وجدتها تتقدم نحوي .. أو نحو هيكل صامت مستسلم ، اعتاد كل يوم أن يجلس على الكرسي في متجره وسط هذه الحقائب واضعاً يده على خده منتظراً البعث ! .. لا أذكر أي شيء عنها .. لا أذكرها .. و لكن ذلك لا يهم ، فيكفي أنها تذكرني أنا ! .. أنا فحسب من دون كل هؤلاء و بالرغم من هذا الزحام البغيض الذي ينجح دائماً في تفرقة هؤلاء الضعفاء !


قالت إنها اعتادت في الماضي أن تأتي مع والدها قبل بداية كل عام دراسي جديد لتختار حقيبة مدرستها .. كانت إحدى زبائني الصغار .. بدت لي في حديثها كأنها لم تكبر .. لا تزال صغيرة ، كل ما فيها نقي .. ابتسامتها ، نظرتها ، نبرتها ! .. يبدو أن الحياة لم تمسها بسوء ، و ربما انهزمت أمام تلك الطفولة الهادئة !


لقاء عابر بعثني من جديد ، و لكن يبدو أن روحي لم تعد قوية بما يكفي كي تصبر و تتحمل .. صارت تطمع في المزيد ! .. بمجرد أن اختفت وسط الزحام عدت إلى الأرض مجدداً .. دخلت المتجر ، جلست على الكرسي ، وضعت يدي على خدي .. و احتضنني الصمت كالعادة ! .. إن صرخت لن يسمعني أحد و إن سمعوني لن يفهموا رغم أنه الألم نفسه و الوحدة نفسها ! .. يبدو أنهم مثلي .. ينتظرون البعث وسط الزحام !


ما هذا ؟! .. إنه الخيال نفسه ، إنها الخطوات نفسها التي علق صوتها في أذني ! .. إنها هي مجدداً ! .. أبت أن تمر من أمام المتجر دون أن تسلم عليّ ! .. تخرج الكرسي و تقول لي إن الجلوس بالخارج أفضل ، فمراقبة الزحام قد تتحول إلى متعة ! .. نصيحة ناعمة من طفلة ذكية ! .. أخبرتني أنه تم قبولها في الوظيفة التي تقدمت لها و أنها صارت تعمل في إحدى الشركات القريبة من هنا .. 


سوف تمر كل يوم ، سوف أراها كل يوم .. إلهي .. اجعلها أقوى من الحياة كي تستمر في إرضاء روحي ، و كي أستمر في اكتساب هذا النقاء .. لم أعد سجيناً ، فلقد أضحى بيدي الحياة التي حلمت بها ! .. شيء من السعي في الأرض .. و شيء من التحليق في السماء !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق