الاثنين، 25 يونيو، 2012

زائر الفجر !


قبل الموعد بدقائق .. يسير في الطريق بجسده المتواضع بعدما عم الهدوء على كل شئ حوله ! .. ينظر إليها من بعيد في شغف .. في بعض الأوقات يشعر أنه كلما اقترب منها خطوة ابتعدت هي عنه خطوات .. و لكنها " أوقات " نادرة لا تطول به ! .. حتى هذه اللحظة لا يقدر على تفسير ذلك ! .. لا يهم فهو ليس ملاكاً .. إنه من البشر !


يفتح الباب و يدخل أخيراً .. يصعد إليها في لهفة .. مئذنة هذا الجامع مختلفة .. إنه يدرك ذلك أكثر مما يشعر به حتى ! .. بمجرد أن تضمه يشعر أنه خرج لتوّه من عالمه الذي راح يطل عليه منها ! .. يبتسم في شفقة ، يمتص شهيقاً طويلاً يأتي بهواء بارد ، يرى كل شئ في عينيه بطريقة أخرى .. جميع التكوينات أمامه من بيوت و طرقات صارت صغيرة .. متناثرة ! 


يؤذن للفجر و في قرارة نفسه يعلم أن ما من أحد سيأتي أو بالأحرى .. ما من أحد قادر على أن يأتي ! .. هناك من هو نائم و من يغلب عليه الكسل و من قيدته ذنوب تصور بعدها أن ما من ملجأ له منها ! .. أشياء كثيرة تمنعهم من الدخول .. لكنهم لم يقوموا من قبل بخوض تلك التجربة ! .. تهيأة أنفسهم للنزول بعد منتصف الليل ! .. الوضوء ، انتظار الآذان ، الذهاب .. ثم الذوبان ! .. أجل .. الذوبان ! .. إنهم لم يعلموا بعد هذا العالم المختلف هنا بين هذه الجدران البسيطة ! .. إن علموا فسوف يتشبثون به .. و التشبث بالشئ أولى مراحل الذوبان فيه !


هذه المرة يحس بشئ مختلف و هو يقيم الصلاة ! .. إنه يحس بدفء بشر ! .. يحس بأصداء كلمة " آمين " .. بل كأنه يسمعها بالفعل ! .. هل تحققت أمنيته و تكونت الصفوف من وراءه ؟! .. بمجرد أن انتهى من الصلاة و الدعاء التفت خلفه فوجده جالساً بجسد ضئيل و ثياب رثة و وجه دفنت ملامحه تحت التراب ! .. بالرغم من كل ذلك إلا أن ذلك الطفل استطاع أن يظهر له ابتسامته ! .. سأله الإمام إن كان يرغب في شئ فأجابه بالنفي ثم شكره ! .. سأله إن كان قد توضأ قبل الصلاة فأجابه بأنه لا يعلم شيئاً عن الوضوء أو الصلاة و لكنها المرة الأولى التي يعبر فيها بجانب هذا الجامع و يسمع فيه صوته الجميل و هو يؤذن للصلاة !


أخذه من يده الصغيرة و راح يكرر أمامه خطوات الوضوء كي يتعلمها ! .. كان سعيداً ! .. ليس لأنه يعلم تلميذاً جديداً أو لتفكيره في الثواب الذي يدخره له الله .. لم يكن سعيداً بسبب ذلك أو لأي سبب آخر ! .. كان سعيداً - فقط - لأنه شعر أنه لم يعد وحيداً ! .. كأن ذلك المخلوق الصغير جزءاً منه .. امتداداً له .. لروحه و لجسده ! .. كأنه كان يشتاق إليه بالرغم من أنه لا يعرفه !! .. بعد انتهاء " درس الوضوء " أسرع الصغير نحو الباب ليغادر ، أوقفه الإمام قائلاً إنه لا يزال هناك المزيد من الدروس ! .. فنظر الطفل نحو السماء و قال - كأنما لا يوجه له الحديث - إن الشمس في طريقها إلى الشروق ! .. ثم نظر له ليخبره بأنه سيأتي إليه كل فجر .. فما أحس به هنا و هما وحدهما لم يحس به من قبل ! .. يكفي - على حد قوله - إحساسه بأنه صار أقوى المخلوقات على الإطلاق بالرغم من أنه لا يملك سوى جسده الضئيل الدافئ !

هناك 8 تعليقات:

  1. الردود
    1. منوراني يا وفااااااااء .. :))

      حذف
  2. البسيط
    مع الأيمان العميق

    يكون عظيما


    تحياتى للقلم المبدع

    ردحذف
  3. أيهما أكثر ملائكية ؟ ،المصطبر أم المكتشف ؟

    ردحذف
    الردود
    1. بيتهيألي المكتشف عشان بيبقى عامل زي العيل الصغير .. ^^"

      حذف
  4. قصة جميلة ... ذهبت لمنطقة نادراً ما تُطرق
    أحب دايماً الأفكار المبتكرة في القصص القصيرة

    ردحذف
    الردود
    1. الحمد لله إنها طلعت " مبتكرة " بس .. :))

      حذف