الأحد، 29 يناير، 2012

الغريب ..


أنتبه لوجوده رغم الظلام .. يميل إلى الجدار بجسد منكمش متجمد ! .. أقترب منه أكثر .. يبدو أنه ميت ! .. أخلع معطفي و أستره به ، لعل دفء جسدي يمنحه الحياة مجدداً .. و لكن ، كيف ؟! .. هل يستطيع ميت منح الدفء لميت ؟! .. إنني لم أعد أشعر بشئ منذ فترة ليست بالقريبة ! .. لا صقيع ، لا حرور .. لا دفء ، لا برد .. لا شمس ، لا مطر ! .. توقفت عن التأثر بكل شئ و أي شئ .. منذ رحيلها !


أنا من حطمني التفكير فقط كي لا أكون وحيداً ! .. كي أحافظ على حالي و أنا بينهم مطمئناً بذلك الدفء ! .. كلا ، لم يكن دفء ! .. دوماً كان هناك اختلاف يبعدني عنهم .. أو يبعدهم عني ! .. لا أعلم إن كنت أنا المختلف عنهم أو هم المختلفين عني ! .. إنها الغربة التي حاولت التخلص منها .. و فشلت ! .. كل ما كنت أرغب فيه .. لقاء بشر يشاركونني التفكير ، الإحساس ، الأحلام ، لكني لم أجد سوى النصائح !


الجميع يمارس معك الغباء .. ليس أمراً صعباً بالنسبة لهم أن يخسروا فرداً آخر ! .. أنت لست مهماً ! .. المهم هو استعراض الحكمة رغم أنهم أشقى من في الأرض ! .. لم يكن غريباً أن أنجذب إليها .. أن أحبها ! .. التقينا في دائرة الغربة تلك .. هي ليست مثلي ، لكني أجدها تشبهني ! .. يقولون إن الرجل السويّ ، هو من يتزوج بامرأة تشبه أمه ! .. حسناً ، ليس صحيحاً دائماً ! .. و إن كانت تلك قاعدة ، فبالتأكيد هناك استثناء ! 


ما تملكه من ماضٍ غير شريف لم يبدل في شئ من قراري ! ، لا يهم أنها تكبرني بسبع سنوات .. أو يزيد ! ، لم أتوقف أمام ضعفها و استسلامها الشديد .. فأنا أيضاً كذلك .. كل البشر كذلك ! .. فقط ، كانت تريد من يشاركها ذلك الاغتراب .. أو الضعف ! .. المشاركة مساعدة حتى و إن كان مصدرها مخلوق ضعيف .. كالإنسان مثلاً ! .. المشاركة بعث يمنحك القوة ، فالأمان .. فالسعادة !


حياتنا الجديدة كانت أشبه بالجزيرة .. تبدو ضعيفة إلا أن باطنها يخفي قوى مختلفة تجبر أي متطفل على الرحيل ! .. حسناً ، ليس أي متطفل ! .. القدر .. أو الموت أقوى المخلوقات على الإطلاق ! .. ما حدث كان ظلماً ! .. لم تهنأ حتى بحياة شريفة ، بالرغم من صدقها الذي كانت تتحدث به عن البدايات النقية الجديدة .. كانت تسعى إلى التخلص من كل ما يربطها بما كان ، حتى و إن كان عقلها المزدحم بتفاصيل مظلمة ، أو جسدها بما يحمله من آثار بهيمية ! .. كانت صادقة و كان ذلك يكفي لمنحها فرصة .. إلا أنني لا أملك من الأمر شيئاً ! .. عدنا مجدداً إلى دائرة الغربة .. هي في عالم لا تعلم عنه شيئاً ، و أنا في عالم أحاول فهمه و يرفض هو أن يفهمني !


الغربة هذه المرة أكثر قسوة ! .. قبل لقياها كنت أبحث عمن يشاركني ، أما بعد رحيلها صرت أبحث عني ! .. لم أعد قادر على الإمساك بالفرشاة أو القلم ، كأنني طفل يحتاج إلى من يعلمه ! .. ما من أفكار تستفزني للعمل ! .. الفكرة وقود الحياة .. و لكن أين الحياة ؟! .. يبدو أن الحب لعنة .. تماماً مثل الغربة ، لكنها على الأقل لعنة أستقبلها في رضا ! 


الآن فقط أحاول اجتياز ذلك الحلم العابر ! .. الموت لا يأتي أبداً في سلام و لكن أكثرهم لا يعلمون .. لا يفهمون ! .. أن يقتلني الحلم أفضل من أن تقتلني الوحدة ! .. أن يقتلني الحب أفضل من أن يقتلني الانتظار .. أن أصل إليها – حتى و إن كان ذلك في الحقيقة ما هو إلا انتقال من لعنة إلى أخرى – .. أفضل من الاستمرار غريباً ! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق