الأربعاء، 27 مارس، 2013

انتزاع ..


عزيزي الغريب .. أحدّثك الآن من داخل مكان عثرت فيه على ضالتي أخيراً ، و أدركت أنني أنتمي إليه بالفعل ! .. مكان لا يجرؤ أحد على دخوله دون إذني ، و ربما حتى إن أذنت لأحدهم فلن يفضّل اقتحامه ! .. أظن أنه من الأفضل أن يكره الجميع ما تحب ، فحينئذ سيصير " ما تحب " هو ملك لك وحدك ، و ربما جزء منك أيضاً ! .. هنا لا يوجد سوى أوراقي ، قلمي ، كُتبي ، فراشي و التلفاز كإحدى وسائل اللامبالاة ! .. أمّا النافذة فمُغلقة طوال الوقت ، و إن ودّ أحدهم أن يفتحها فعليه أن يحطّمها أوّلاً ! .. كلّا ، إنها ليست زنزانة كما تتخيّل ، إنه مكان عادي .. ربما حجرة أو ثلاث ! .. الأمر الممتع حقّاً هو أنني أتمكّن جيّداً من سماع صدى صوتي !

هنا لا أفعل شيئاً سوى الاستلقاء فوق سريري ، و ممارسة ما يشبه النوم في بعض الأوقات ! .. إنني أحاول تجاهُل الحياة بأسرها و ليس البشر فقط ! .. أتجاهل الرياح بما تحمله من مشاحنات ، و الشمس التي عادت لقسوتها الأولى ، و حتى صراخ القطط الذي لم يعد يستهويني ! .. لا أستطيع تمييز الوقت إلّا عن طريق الموسيقى و أصوات أمّ كلثوم أو عبد الوهّاب أو فرانك سيناترا ! 

هل تعلم .. إن الأمر لم يعد مجرّد استئصال ، و إنما صار متعلّق بالانتزاع ! .. فالاستئصال يحدث دون أن تدري و دون أن تشعر ، أمّا الانتزاع فهو الأقوى على الإطلاق ! .. فمن خلاله يمكنك سماع أصوات غريبة ، و غير مُسجّلة أصلاً في قاموس أصوات الحياة ! .. على ذِكر " الحياة " التي صرت أكرّرها دون وعي منّي ! .. أَتستطيع إخباري لِم تصر هذه " الحياة " على وضعك في الموقف نفسه كلّ مرّة ؟! .. صدّقني .. في البداية كنت أظن أن ذلك يحدث كيّ أحاول فهم المغزى و كيّ أتصرّف بعدها بطريقة مختلفة و صحيحة ! .. و لكن دعني أخبرك بأن ذلك كلّه حديث فارغ ! .. فما يحدث لك و يتكرّر يزيد بداخلك تلك الفجوة ! 

قبل إنهاء رسالتي .. بالأمس شاهدت أحدهم و هو يرسم إحدى لوحاته بواسطة ممحاة و قلم من الفحم ! .. كانت اللوحة تنبض بالحياة في كل تفاصيلها ، في النقاط المظلمة قبل المضيئة .. كأنها تتنفّس ! .. لا أخفي عليك أنني تعجّبت من وجود الممحاة التي كانت تظهر اللوحة بشكلٍ أكبر من القلم نفسه ! .. تعجّبت من خلق دنيا بأكملها بأبسط الوسائل ! .. هل تعلم ، المشكلة لا تكمن في تعدّد وسائل الاستمتاع بالحياة أو حتى عيشها .. و لكن الأمر يتعلّق في الأصل بالاشتهاء ! .. و أنت تعلم ، فلا يقدر المرء على اشتهاء شئ و بداخله أشياء أهمّ قد تآكلت .. أشياء ربما لن تمكّنه حتى من تحمّل ما سيفرحه ! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق