الأربعاء، 16 نوفمبر، 2011

.. كقلب الحمَام !


لم تقدر خطوط سن التسعين على إخفاء تلك الحقيقة ! .. كلما تأمل أحدهم وجهها يدرك أن جمالها كان مميزاً ، و ربما كانت أجمل النساء على الإطلاق ! .. عاشت تحارب وحدتها لعقود طويلة حتى يومها الأخير ، و لم تحاول الوقوف لترى النتائج و ما إذا كانت نجحت بالفعل أم فشلت في ذلك ؟! .. كانت تريد صخب .. أي صخب .. المهم أن تحاول التفكير في أشياء أخرى بجانب التفكير فيه ! ، فهي تعلم أنه إن استولى على عقلها فسوف تتألم حتى الموت و هي تكره ذلك ! .. إنها تريد أن ترحل في سلام كما رحل هو ساجداً بين يدي الله ..


لم يكن قومها يقتنعون بالحب و إنما بضرورة بقاء الغريزة و استمرارها طالما لا تزال الأجساد دافئة ! .. راحوا يجهزون لزواجها الثاني بعد موته و كانت هي تراقب ما يحدث كأنه لا يخصها ! .. صحيح أنها لم تختره – كإحدى سمات ذلك العصر الذي كانت تعيش فيه – و أنه فُرٍضَ عليها و لكن ما شعرت به بعد ذلك كانت تعتبره هدية من الخالق ! .. كانت تتغنى دوماً بذلك العام الذي عاشته معه .. تزوجها و هي بجسد أنثى و عقل طفلة ، أحبها فعلّمها لتصير بين يديه – و على حد تعبيره – أجمل امرأة مسؤولة !


برحيله انتبهت لأشياء فيها قد نضجت .. تفاجئت بصمودها أمام فاجعة موته و حقيقة وحدتها التي ستعيش فيها إلى الأبد ! .. أدركت قوة الرفض تلك التي كانت تسعد بها أمام كل محاولة لتزويجها لآخر ! .. ضعف بصرها كثيراً رغم أنها لم تبكه كثيراً ! .. كانت تفسر ذلك بأن دموع البكاء على الحبيب تفقد المرء جزء من طاقته ! .. علمت بأن شيء ما بداخلها أصبح خالياً مثل كرسيه الكائن أمامها في برود ! 


لم تهنأ به ، لم تنجب منه ، سكنت غريزتها فازدادت وحدتها و لم تعد بحاجة إلى الرجل .. و لكنها عاشت و هي موقنة بأن الله سيجزيها أجر صبرها الجميل ! .. أخذت تساعد نفسها لتملأ حياتها صخباً ، و راحت تربي الحمام في دارها فكان الهديل منه لا ينقطع ! .. لم تكف عن زيارة جيرانها و أقاربها حتى أضحت السكن الذي يلجأ إليه البعض ! .. كانت تشهد مواكب الزفاف في فرحة باكية ، و تحمد الله أن ما من أحد يلاحظ دموعها و إلا فكيف ستفسر ذلك ؟! .. هل تخبرهم أنها في كل فرحة تشعر أنها هي من تتزوج لتصبح بينهم بعد ذلك موضع سخرية و دهشة ؟!


كلما تقدمت في العمر ازداد احتياجها إلى الصخب و راح هو يتراءى لها في أركان الدار بين قفزات الحمام ! .. حتى جاء يوم شعرت فيه بأنفاسه الدافئة تتردد بجانبها على الفراش .. كأنه هو ! ، كأنه لم يمت ! .. حينها لم تشعر بنفسها إلا و هي تحاول الركض خارج البيت في جوف الليل محاربةً آلام العجز القاسية التي تقيدها ! .. لم تستطع البوح بما رأته عندما أضحت في دار شقيقها ، أو أنها لم يكن عليها أن تفسر ما فعلته فقد كان من حولها يقدرون ما عاشته و ما وصلت إليه ! 


كان حديثها الأخير يتردد في أذهانهم .. أخبرتهم أنها عادت طفلة من جديد و إن كانت بجسد محطم ! ، ففي الفترة الأخيرة صارت تخاف من رؤيته .. من أصدائه التي تحلق بين أجنحة الحمام .. من الموت ! .. قالت لهم إنه رحل دون أن يخبرها شيء عن ذلك العالم المجهول الذي تخشاه ، لتصمت قليلاً ثم تعود لتتمم حديثها .. " كيف أخشى الوصول إلى مكان هو فيه ؟! .. كيف أنتظر أن يعوضني ربي عن سنوات وحدتي و أنا أهرب من الذهاب إليه ؟! .. ممَ أخاف و أنا لم أؤذ مخلوق .. و لم أذبح حمامة ؟! " .. 

هناك تعليقان (2):

  1. كم هو جميل هذا الوفاء وهذا التعلق ..

    استمتعت بكل كلمة كتبتيها ..

    ردحذف
  2. جميلة وعميقة

    فرحانة بغلاف كتابك وعقبال ما تشوفيه يا رب مطبوع بين إيديكي ونسخه كلها تخلص :)

    ردحذف