الثلاثاء، 16 نوفمبر، 2010

عودة فتاة في العشرين !

كانت تنتظرها أمام محطة المترو بنظرات قد تبدو شاردة و لكن بعقل واعي أكثر من اللازم ، فهي لم تعد ترى شيئاً حولها إلا بعض الخيالات و كأنما خضعت جميع حواسها إلى عقلها فقط حتى قطع صوت هاتفها المحمول ذلك التفكير العميق .. إنها أختها تبلغها بأنها ستصل بعد ساعة و ليس الآن .. كعادتها شعرت بالضيق فهي تقدس المواعيد إلى أقصى درجة و تكره التأخير .. لكن الموعد في العاشرة و النصف و ها هي ساعة يدها الرقمية تدق التاسعة .. لم تسأل نفسها ما الذي أتى بها مبكراً إلى هذه الدرجة فهي تعلم الإجابة جيداً .. إنه التفكير و لا شيء غيره ..

أخذت تلتفت حولها .. فماذا ستفعل خلال هذه الساعة ؟ .. سيكون أمراً مستحيلاً أن تمارس المشي بحالتها هذه ، فهي تعاني من ألم غير محتمل في قدميها .. سرعان ما عثرت عيناها عليه .. إنه " الأمريكين " ذلك المكان الذي كادت أن تنساه .. تسائلت عن كم السنوات التي مرت بها دون أن تدخله .. إنه زمن طويل .. أكثر من عشر سنوات .. أخذت تتحرك نحوه بخطوات متثاقلة فبدت و كأنها ثابتة مكانها لا تتحرك .. تجر قدميها جراً فقط لكي تصل .. لم ترد أن تصنع عصا خاصة بها كي لا تقلق من حولها و بخاصةً أبنائها .. تحاول دوماً أن تقنع نفسها بأنها بخير و ليست في حاجة إلى شيء .. لا إلى علاج و لا إلى طبيب و لا حتى إلى راحة .. فهي بخير .. أو هكذا تحاول أن توهم نفسها ..

تقع عيناها و هي تعبر شارع " 26 يوليو " على أحدهم و قد جلس فوق كرسيه المتحرك فتجلد نفسها أكثر و أكثر .. كيف لا تكوني بخير ؟! .. لابد أن تكوني كذلك .. فهناك من هم يعانون أكثر منك فعليك إذن ألا تتفوهي بشكوى بعد الآن .. أصبحت لا تشعر سوى بحرارة الشمس بالرغم من أن الوقت لا يزال في الصباح .. فجلدها و ملابسها يمتصان أشعة الشمس بطريقة تجعلها تتصبب عرقاً فتشعر بالإعياء مع كل ثانية ..

دخلت " الأمريكين " و سرعان ما جلست في تعب شديد .. طلبت القهوة كعادتها دوماً .. للمرة الثانية تشرد نظراتها و ماكينات عقلها تعمل بلا هوادة و لكن في هذه المرة لم يقطعها صوت هاتفها .. لقد جاء الصوت عالياً مدوياً و بالرغم من ذلك فقد تسلل لأذنيها في رفق .. إنها تتذكر اسم الأغنية .. أليست هذه " حاول تفتكرني " .. سرعان ما ارتسمت الابتسامة على وجهها في حركة لا إرادية .. قالت في نفسها : " لقد سمعت هذه الأغنية بالأمس " و لكنها لم تبتسم مثلما فعلت الآن .. أوقفت ماكينات عقلها عن العمل .. بل أوقفت جميع حواسها عدا أذنيها .. لطالما تعشق هذه الأغاني ..

نظرت إلى الخارج عبر ذلك الزجاج .. تذكرت كيف كانت تسير في هذه الطرقات و هي في العشرين من عمرها .. كانت متألقة .. مرحة ، ها هي تزداد مرحاً و ابتساماً مع الموسيقى .. حتى أنها كانت تضحك لبعض الوقت و سرعان ما تنتبه لنفسها .. تريد أن تنهض لترقص .. ترقص ! .. كيف لها ذلك و هي أصلاً لا تعرف شيئاً عن الرقص ؟! .. ثم من أين أتت لها هذه الفكرة أصلاً .. تسخر من نفسها بنفسها .. بل تضحك على نفسها أيضاً فلم يعد بينها و بين أطفالها أي فرق في هذه اللحظة .. تتمايل مع الموسيقى .. تشعر بأنها فوق القمر  ..

تسخر من نفسها مجدداً .. الأغنية حزينة فما الذي يبعث الفرح في نفسها إذن .. سرعان ما اكتشفت أنها استسلمت منذ زمن طويل لكل ما هو كئيب .. فهي لا تتذكر سوى الأشياء المؤلمة فقط التي تبعث بداخلها الضيق و السأم .. لم تكن تتذكر سوى وفاة والدها .. الأوقات الصعبة التي مرت بها هي و أسرتها .. أيام كانت تدرس و تعمل في آن واحد .. لم تكن تتذكر سوى تعب الماضي فيبعث من جديد بداخلها فتتعب أكثر و لا تقوى على استكمال حاضرها .. اكتشفت ذلك كله فضحكت على نفسها ثانيةً حتى ودت أن تصفعها لتلقنها درساً .. ها هي الآن تتذكر أجمل ما كانت تفعله في الماضي ..

جائت القهوة فطلبت استبدالها بآيس كريم .. لعنت لحظتها الطبيب بأوامره و ملاحظاته التي كانت تقيدها ، جاءت مكالمة أختها لتبلغها بأنها وصلت و تنتظرها أمام محطة المترو .. نهضت في خفة كأنما كانت مغشياً عليها لا تحرك ساكناً و سرعان ما استعادت وعيها كاملاً .. خرجت في خطوات خفيفة أو " شقية " كخطوات فتاة في العشرين .. لم تشعر بعدها بثقل جسدها أو ألم قدميها .. كانت تسير و كأنها تطير .. توقفت للحظات لكي تستمتع بنسمة هواء نقية فبالرغم من زحام الشوارع إلا إنها كانت تشعر بصفاء لا مثيل له .. أصبح جلدها الآن يستنشق كل ما هو نقي .. ليس له علاقة بحرارة الشمس و لا بعوادم السيارات .. إنه النسيم و الهواء فقط ..

توقفت قليلاً أمام إحدى محلات الأحذية و في أقل من عشر دقائق كانت تخرج منه و هي ترتدي حذاءاً أنثوياً " بكعب عالي " .. وضعت حذائها الأرضي الصخري في الحقيبة ثم خلعت من يدها تلك الساعة الرقمية كأنها كانت تلقي بشيء في القمامة أو كأنها كانت تبصق شيئاً كان يزعجها .. وصلت إلى أختها  التي رمقتها من النظرة الأولى في شيء من الدهشة و الذهول ثم سألتها : " مش هتروحي للدكتور !؟ " .. فقالت في حيوية عشرينية ظنت أنها ماتت : " مفيش داعي " ..

هناك تعليق واحد:

  1. قصة جميلة و معبرة حقاً. " أصبح جلدها الآن يستنشق كل ما هو نقي .. ليس له علاقة بحرارة الشمس و لا بعوادم السيارات .. إنه النسيم و الهواء فقط .." هذا بالفعل ما نفتقده في زحام الحاية.
    تحياتي

    ردحذف