الثلاثاء، 22 مايو، 2012

شبّاك أخضر !


الألوان .. انعكاسات غير قابلة للرؤية ، لذا فأنا أشعر بها ! .. أذكر أول حصة رسم أيام طفولتي و كيف راح أستاذي يتحدث عن الألوان ، لأدرك بعدها أهميتها في الحياة بأسرها .. لا في حصة الرسم فقط ! .. كل ما كان يؤرقني وقتها هو أنني كنت أريد تفسيراً ، تعريفاً لماهية الألوان ! .. كلا ، أنا لست كفيفاً و لا فيلسوفاً .. لكنني فقط أريد الذوبان في الأشياء كي أستطيع رؤيتها !


لم أسأل و لم أعلن عن حيرتي و رغبتي في المعرفة لا لشئ إلا لأنني على يقين بأن أحداً لن يفهمني ! ، لكن الحياة تجيب على جميع أسئلتنا و إن لم يكن في حينها ! .. أخيراً شعرت بالألوان فاستطعت رؤيتها ! .. الأحمر مثلاً يشعرني بالاختناق لأنني أرى فيه الأبنية الضخمة العشوائية التي تحجب عني السماء ! .. أما الأصفر فيمنحني قوة أكاد أحس بها في أوصالي لأنه يذكرني بلون الشمس في الصباح ! .. أما الأزرق فيأسرني في حالة شوق لا تنتهي ، أو ربما فضول لأنه يجسد أمامي كون آخر غامض .. اسمه البحر !


الأخضر .. تلك هي " مشكلتي الحلوة " ! .. " مشكلتي " لأنني بمجرد أن أشعر به أبكي ، و " الحلوة " ربما لأنه يجعلني أبكي ! .. كنت أسير مع أمي عبر الشوارع الضيقة حتى وقفت لتبتاع شئ ما .. مللت فتركت يدها .. ابتعدت عنها خطوات فقط لأنه كان يجذبني .. ما هو ؟ ، كان شبّاكاً أخضر .. ترك بنصف فتحة ! .. لم أشعر حينها بأنني على وشك التلصص لأنني كنت أسمعه يناديني !


" الله .. الله .. الله " .. الأخضر كان في كل شئ ! .. في بعض من ثيابهم و عمائمهم ! .. في أصواتهم المنغمة ! .. في كلماتهم المبهمة التائهة وسط أجسادهم المنتفضة ! .. ببساطة الأخضر في عيني صار معجزة لأنني رأيت بشراً بسببه كانوا يحلّقون ! .. أنا ؟ ، لا أستطيع القول بأنني ذبت معهم – تماماً – حتى صرت مثلهم .. لكنني أذكر أنني بكيت ! .. طفل في الثامنة لا يدرك أنه يحاول إجهاد نفسه بالتساؤلات و تفسير كل شئ .. يبكي لشئ لم يدركه و لم يفهمه ! .. كان خوفاً .. ربما ! ، كان فرحاً .. ربما أيضاً ! .. كل ما أعرفه جيداً هو شعوري بتلك الـ " وخزة " التي بكيت على إثرها ! 


ربما لا نلتقي بالأشياء النقية إلا في صغرنا ! ، لذا قررت أن أحتفط بتلك الأشياء – بكل قوتي – في رحلة ابتعادي عن الطفولة ! .. أجل ، احتفظت باللون الأخضر الذي فضّل أن يبكيني بدلاً من أن يجعلني أحلّق ! .. إنني نصف " درويش " بالرغم من أنني أبدو في أعين الجميع كالجميع ! .. صار الأخضر هو هروبي المفضل من عالم لآخر ! .. عالم لا يعرف ماهية الألم بالرغم من بكائي فيه ! .. كان خوفاً .. ربما ! ، كان فرحاً .. ربما أيضاً ! .. و كان من خشية الله .. هذا ما صرت على يقين منه و لا أحتاج لتفسير ! .. يكفي أنني عثرت على شبّاكي الأخضر ! 

هناك تعليقان (2):

  1. هااااااااار ابيض ياجدعان
    انا مابحبش الأخضر انتى عارفه لأنه لون مخصص للزرع
    بس عشت فى كلامك حسيته اوووى
    جميله بجد يانهى :)

    ردحذف
    الردود
    1. و لا أنا بحب الأخضر يا غادة بس شكلي هـ حبّه أنا كمان .. :)

      حذف