الأحد، 6 مايو، 2012

عابر سبيل !


إنه بالفعل نائم ، لكنه أيضاً يدرك همساتهم من حوله ! .. الآن فقط يتساءلون .. من يكون الغريب ؟! ، من يكون المسكين ؟! .. راحوا يتأملونه و عيونهم تنطق بالدهشة و تساؤلاتهم لم تنتهي بعد .. لِم فضّل النوم على الأرض ، فوق التراب ، خارج الدار ؟! .. لِم تبدو ابتسامته مثيرة للشفقة أكثر من كونها مثيرة للسعادة ؟! .. لِم كان يحاول خدمتهم بمجرد جلوسه معهم بالرغم من أنه ضيفهم ؟! ، بل مجرد " عابر سبيل " يحتاج للراحة كي يكمل و يستمر في طريقه ! .. ما سر تلك الشهية الغريبة التي وجدوها فيه بمجرد أن وضعوا الطعام أمامه بالرغم من مظهره الذي يدل على " الشبع " و الثراء ؟!


بالأمس لم يكن كذلك ، و ربما لم يخطر بباله قط أن يكون بمثل تلك الحالة في يوم من الأيام ! ، و لكنها الرغبة .. الرغبة الشديدة ! .. بالأمس كان الصخب يحيط به من كل جانب ! .. كان يشعر أنه " أسير " رغم أن كل ما حوله براقاً ، لامعاً ، مغرياً ! .. نتائج النجاح الذي حققه تزينت من حوله في مثالية ! .. امتلأت أركان بيته الفاخر بالمدعوين كامتلائها بالتحف الفنية التي اعتاد أن يجمعها ! .. بدت زوجته كعادة كل حفل ، كأنها ملكة بما تملكه من سحر و جمال و ذكاء ! .. راح الجميع يشيد بعبقريته و تفوقه الدائم و دأبه الشديد في الحفاظ على ذلك ! .. ببساطة ، كان كالشمس .. حيث يكون الجميع في حاجة إليها !


فقط ، عندما انطفأ ذلك الضوء الذي كان يشع منه بمجرد انتهاء الحفل و سكون كل شئ من حوله أدرك مجدداً حقيقته المستمرة المؤلمة بأنه لا يعد كونه مجرد انعكاس ! .. هذا ليس أول نجاح له و لن يكون الأخير ، لكنه يذكر جيداً أنه لم يشعر بالسعادة إلا حينما ذاق حلاوة النجاح لأول مرة في حياته ! .. لم يكن يعلم أن نجاحه الأول سيصير نجاحه الأخير !! .. هل يعقل أن يمل الإنسان النجاح ؟! ، أم أنه غبي لا يعلم كيف يبتكر أشياء جديدة كي تسعده في كل نجاح يحققه ؟!


هذه المرة ستكون مختلفة ، فقد قرر الرحيل عن كل ذلك و لو ليوم واحد ! .. أجل ، إنه لا يزال أسيراً لذلك فإنه يرغب في " استراحة " ! .. ربما كان الدافع وراء قراره بالتوجه إلى مكان مولده هي تلك الرائحة ! .. إنه التوت الذي ذكره بفشله الأول و الأخير .. حقاً كان فشلاً لذيذاً ! .. وقتها ظن أن والده سيغضب بسبب ذلك و سيعاقبه ، لكنه فوجئ به مقبلاً نحوه و هو يحمل طبق مليء بحبات التوت كي يخفف في حلقه طعم الفشل المر !


وصل .. أو استطاع أن يصل ! ، إنه لم يأتي إلى هنا منذ أكثر من عشر سنوات ! .. لا أحد في القرية يعرفه أو حتى يذكره ، ربما لأنه لم يذكرهم هو أيضاً ! .. إنه حتى ما عاد يحمل ملامح والده كي يتسنى للبعض تخمين " ابن من هذا ؟! " .. لا يزال كل شئ بسيط بالضبط كما تركه و كأن الزمن توقف ! .. البيوت ، البشر ، الهواء .. و أشجار التوت ! .. سار بشرود عميق و لم يمنع نفسه من الشعور ببعض " الذنب " تجاه كل شئ يحيط به ! .. كان بوسعه أن يغير في هذا المكان أشياء و أشياء ، أن يمنحه بعضاً مما اكتسبه في حياته .. و لكنها الدائرة التي تبدأ بالأنانية ثم تنتهي إلى لا شئ !


أدرك أن حياته أشبه بمعادلة حسابية تحمل نتيجة واحدة فقط ألا و هي .. لا حياة ! .. إنه حتى لم يكن يعطي لنفسه الفرصة لتذوق انتصاراته كما يجب ! .. عبث التفكير بأوقاته حتى أضحى مجرد آلة أو كأنه كالنيران تحتاج لمزيد من الحطب كي تبقى مشتعلة – و فقط – .. تأخذ و تأخذ دون تمييز ! .. هدف وراء هدف ، نجاح يعقبه نجاح .. لكنه لا يشعر بذلك كله ! .. مجرد قلم يسطر حياة شخص آخر غيره ، فهو ليس البطل في حياته .. ربما لأنه لا يحس بوجودها أصلاً ! 


ضحكاتهم العالية أوقفته ! .. لم يضحك مثلهم هكذا من قبل !! .. هؤلاء الناس لا تزال لديهم القدرة على الضحك و السعادة و الحياة بالرغم من أن دنياهم تأخذ منهم أكثر مما تعطيهم ! .. آلام المرض ، ظلمة الجهل ، مرارة الفقر .. و ما خفي كان أقسى ! .. راح يتأملهم و لم يشعر أنه كان يقف أمامهم مباشرةً ، كأنه ينتظر شيئاً بالفعل قد حدث ! ، فقد دعوه لجلستهم ، ليحس بعمق و للمرة الأولى كم ازدادت الأرض خشونة و صلابة ! .. إنهم يشبهونها .. أو هي التي تشبههم ! .. جلس ، تكلم عن كل شئ عدا نفسه ، ضحك معهم ملء قلبه ، أطلق لسانه الذي راح يعلن عن تلقائية غريبة و مخيفة أدهشته هو أكثر من أي شخص آخر !


كان يرى في عيونهم ذلك السؤال عن هويته و كان من الممكن أن يعلن عنها .. لكنه شعر بالخجل من نفسه ! .. إنه قادر على تحمل نظرات الفضول و الإشفاق ، لكنه لا يستطيع تحمل نظرات الصدمة و الانكسار ! .. إن علموا من كان هو و كيف صار الآن ؟! ، حتماً سيشعرون بذلك الانكسار ! ، لأنهم سيدركون ببساطتهم أنه صار ملكاً و أن الزمن قد توقف بهم .. و لا يزالون في أماكنهم ! .. فضّل أن يظل غريباً في عيونهم على أن يصبح غريباً بينهم ! .. فضّل أن يكون مجرد " عابر سبيل " ! ، ضيف خفيف يحتاج للراحة و التلقائية و الحياة .. قبل أن يعود إلى أسره !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق