الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

قِطّة بِلون المِشمِش ..


" صحيح أنني كنت أسير في " جنازة " ، لكنني لم أخجل من نفسي عندما شعرت بتلك الفرحة ! .. وخزة رقيقة في القلب أكّدت لي أنني مازلت على قيد الحياة ! .. أحس أن ملامحي " حياديّة " إلى أقصى حدّ ! .. أحتفظ بفرحتي كسرٍ مُقدّس بيني و بين الخالق ، و في الوقت نفسه لم أحاول تصنُّع الحُزن كالبقيّة ! .. إنني لم أكن أعرف الراحل حقّ المعرفة ، كما أنني اعتدت مراسم الموت بحُكم عُمر امتص من الزمن ما يكفيه ، لذلك فلم يكن هناك سبب للادّعاء !

كُلّما يقتربون من المُستَقرّ ، تتسارع نبضات قلبي و أؤخّر في خطواتي حتّى أتمكّن من العثور على ضالتي ! .. ما إن قرأت اسم العائلة حتى توقّفت ! .. أطلقت زَفرة راحة لا تنتج إلّا عن ركض متواصل ! .. زَفرة ظننت أنّها ستكون الأخيرة من شِدّة التعب ، لكن الدقائق تمُر و أنا على حالي ! .. واقفةً أمام الباب و قد انفضّوا من حولي ، أتأمّل الاسم بعناية كأنني أشُكّ في حواسي .. و كُلّما انتهيت أعدت قراءته !

لكُلّ منّا " غائِبه " ! .. شخص نفتقد جسده و الدفء الذي كان يشع منه ! .. " المادّة " قد ترضينا بشكلٍ كامل ، تمنحنا ذلك الجُزء المفقود من الأمان ! .. صوت ينادي باسمك في حُبّ ، يد تربُت فوق كتفك في شَفَقة ، ذراعان فعناق فضمّة قويّة حدّ الاعتصار .. حدّ الإحساس بالنجاة من العَبَث الذي يحيط بك ! .. لم يكن جنوناً منّي عندما ظننت أنني سأجده أمامي - كاملاً ، كما اعتدت أن أراه دوماً - بمُجرّد أن أفتح الباب ، لكنني لم أجد سوى حَجَر ! .. قد يكون المكان بالفعل قد امتصّ منه عِطره و همسه ، إلّا أن ذلك لم يعد يرضيني ! .. فقط كان ذلك المواء هو الشئ الحيّ الوحيد الذي استقبلني !

أبي .. ! .. أحاول أن أحتفظ بحياةٍ كاملة - منحني إيّاها - في ذاكرتي ، لكنّ التفاصيل الأخيرة هي الأقوى دائماً ! .. أذكر أنني علّمته كيف يكتب اسمه قبل رحيله بشهر ! .. كنت أتابع السعادة في عينيه و هي تصير أكثر بريقاً كُلّما تمكّن من كتابة حرف بيده المُرتعِشة ! .. لم يكن يحتفظ بثباته و قوّته إلّا و هو يضم أحدنا .. أنا أو أخي ! .. عند رحيله ، و ما إن أصبح سريره خالياً .. حتّى وجدناها و قد احتلّت مكانه ! .. قِطّة متوسطة الحجم ، بِلون المِشمِش ، تتأمّلنا كأنّها تعرفنا منذ زمن !

كان يعشق القِطط ، يحترمها ، يقدّسها ! .. حاول كثيراً أن يُقرّبني من تلك المخلوقات الغامضة ، إلّا أن خوفي منها لم يتغيّر نتيجة لما تعرّضت له من " خَربَشة " و أنا صغيرة ! ، لذا فقد كنت أفضّل مخلوقات أخرى ليس لها أي ردّ فعل .. كانت الأسماك ! .. و لكنّ منذ رحيله ، لم يعد هناك وجود لحوض الأسماك في البيت .. و في حياتي أيضاً ! .. عقب وفاته بأيّام ، ماتت أكبر السمكات في الحوض فجأة ! .. مالت ثم استقرّت بالقُرب من السطح ! .. بهتت ألوانها فصار المشهد مُفزعاً !

عندما تموت سمكة من بين مجموعة ، فلابد من الإسراع لتغيير المياه و تنظيف الحوض .. و إلّا سيحصد الموت البقيّة ! .. تترك السمكة بعضاً من هيكلها الضعيف ، يتفتّت في المياه ، يذوب فيها فيصير الموت عدوى ! .. لم يكن أمراً قاسياً أو مُخجِلاً عندما قرّرت شراء تلفاز بعد مرور أسبوع على وفاة أبي ، محاولةً بذلك تذكير أخي الصغير بوجود حياة ! .. فإذا كان الموت عدوى ، فالحُزن أيضاً عدوى .. أسرع عدوى ! .. تخلّيت عن حوض الأسماك و اكتفيت بالوَنَس الذي كنت أجده في وجود تلك القِطّة ! .. فقط عندما دوّت في أركان البيت أوّل ضحكة فرح نبعت من القلب في تلقائيّة ، اختفت و لم نعد نراها مُجدّداً ساكنةً فوق سريره و هي تتأمّلنا كأنّها تحدّثنا ! " ..

قرأت الفاتحة و استنشقت ما يكفيها من عطره حتّى أحسّت كأنّه قد ضمّها للتوّ ! .. عاد المواء ، و لكن هذه المرّة كان أكثر قُرباً ! .. استدارت لتجد بعض القِطط بالخارج ، فابتسمت ببعض خوف صاحَبها منذ الصِغر ، و لم تقدر - رغم كل شئ - على التخلُّص منه ! .. بحذر مرّت من بينهم و راحت تبتعد في الطريق .. لم تنتبه لوجودها و هي تتابعها .. كانت متوسطة الحجم ، بِلون المِشمِش .. تتأمّلها و كأنّها تعرفها منذ زمن ! 

هناك 6 تعليقات: