الثلاثاء، 2 أكتوبر، 2012

أوّل الشتاء ..


استيقظ هذا الصباح بسهولة .. الهدوء يقلقه ، يوقظه ! .. الفراش ينقصه شيئاً .. يخلو من رائحتها ، من كُتلتها ، من بعض خُصلات شعرها التي تمرّدت و رفضت البقاء ! .. يعلم عِلم اليقين أنها هي أيضاً كذلك ، لكنها توقّفت عن ممارسة فعل التمّرُد منذ زمنٍ بعيد ! .. لقد فضّلت  البقاء و الاستمرار منذ أن أصبحت أُماً ! .. الأمومة قيدٌ لذيذ ، تعشقه النساء رغم الألم ! .. هذا الألم الذي يمنحهن الحياة .. القُدرة على الاستمرار في الحياة ! .. ربما بسبب ذلك كان يحسدها كثيراً على قوّتها !

بمجرّد خروجه من الحُجرة أحس بالضعف يسري في بدنه كالسُم ! .. الفجوات تحيط به ! ، تكاد تفتك به ! .. إنه يبحث عن أصواتهم دون جدوى ! .. يبحث عن حركاتهم في طرقات البيت حيث يستيقظ الهواء من سكونه ، و البناية و الحديقة و الشارع .. و العالم بأكمله ! .. تقع عينه على حجرتهم المظلمة ليستدير فجأة كأنه يهرب من مواجهة يعلم تماماً أنه لا قِبل له بها ! .. يتّجه إلى " الحوض " لكنه لم يكن يغسل وجهه بقدر ما كان يضرب نفسه .. هكذا كان يبدو !! 

ها هو يستجمع قواه و يدخل حجرتهم و يفتح النافذة ! .. كل ما تتأمّله عينه .. كل شئ أمامه ينذر بشتاءٍ ليس كالشتاء ! .. قسوة أخرى ، فهو بين هذه الجُدران يحيا بالفعل في شتاء ! .. حسناً ، قد يكون هذا هو أعظم ابتلاء يمر به ! .. مواجهة الشتاء وحيداً ! .. و لكن لم تمر لحظات حتى كان يسمع أصواتاً تبدو و كأنها تقفز ! .. أصوات سعيدة ، فَرِحة ، ضاحكة .. لا تهتم بشئ ، لا يعنيها شئ و لا حتى الحياة نفسها ! .. نظر باتجاه هذه الأصوات فوجدهم كالعادة .. هؤلاء الأطفال لا يبدأون يومهم الدراسي إلا بالصخب و الإزعاج !

قبل أن يصيح فيهم توقّف رغماً عنه ! .. كان يفكّر أو كما اعتاد أن يقول كان " يجلب لنفسه الصُداع " ! .. إنه لا يذكر كيف كان يلعب أولاده ؟! .. أو أنه لم يشاهدهم و هم يلعبون و لو لمرة واحدة !! .. كل ما يذكره جيداً إنه اصطدم بتلك الغُربة معهم بعد مرور شهر من تقاعده ! .. كأنه كان يتحدّث إليهم ، و يصرخ فيهم بلغةٍ مختلفة لا يفهمونها ! .. عندما يستبد بك الجوع .. الجوع الشديد .. فقد تفقد شهيّتك تماماً ، و هو استبد به الاحتياج فوصل لذروة الزُهد و الاستغناء ! .. آهٍ من ذلك الاستيقاظ .. إنه يؤلم ! .. لابد أن يعود للنوم ، لابد أن يكمل حياته في سكون داخل هذا البيت ! .. سرعان ما صاح فيهم بصوتٍ غاضب ، فركضوا خوفاً حتى من فكرة رؤية ملامحه ! .. يغلق النافذة ، يستجمع قواه للخروج من الحجرة ، يعبر تلك الفجوات قبل أن يخرّ صريعاً ، يصل إلى حجرته .. ثم يلقي بجسده على الفراش كبناء ينهار !

هناك تعليقان (2):

  1. عندما يستبد بك الجوع .. الجوع الشديد .. فقد تفقد شهيّتك تماماً ، و هو استبد به الاحتياج فوصل لذروة الزُهد و الاستغناء ! .. آهٍ من ذلك الاستيقاظ .. إنه يؤلم !

    هو يؤلم فعلاً يا نهى

    ردحذف
    الردود
    1. بس لابد منه ف الآخر يا وفاء ..

      تسلميلي .. :)

      حذف