الاثنين، 27 أغسطس، 2012

وادي الأرزاق ..


" جعل يعدو هنا و هناك ، يبحث و ينقّب ، و قد علاه البهر ، و أخيراً وقف أمام ينبوع أوحى إليه أنه رزقه ، فنظر إليه في تبرُّم و ضيق ، كان الرزق يتدفّق منه في اعتدال .. فما كان كالأرزاق المنبثقة في قوة و غزارة و ما كان كالأرزاق الواهنة التي تسيل قطرات ..

و تمنى أن يجد في هذا الوادي الهائل العجيب قدوماً و مسماراً يوسع بهما الثقب الذي يتدفّق منه رزقه ، و ما إن خطرت هذه الأمنية على باله ، حتى ألفى القدوم و المسمار بين يديه ، فأثلج صدره و هرع إلى رزقه نشوان ، فما هي إلا دقّات حتى يتفجّر رزقه تفجُّراً يفوق كل ما في وادي الأرزاق ..

و وضع المسمار في ثقب الينبوع ، ثم طفق يدق عليه بالقدوم في قوة و عزم ، و تفصّد منه العرق ، و نال منه التعب ، و لكنه لم يلتفت إلى تعبه .. و استجمع قواه ، و دقّ على المسمار دقة هائلة ، فكسر المسمار في الثقب ، فجعل يحاول جاهداً أن يخرج المسمار المكسور و هو مرعوب ، و أخفقت محاولاته ، فأحس خوفاً شديداً ، و قلقاً يلفه .. فقد حبس رزقه بيده ، و لم يعد له ينبوع في وادي الأرزاق ، و خطر له أن الرزق لا ينحبس إلا إذا مات صاحبه ، فأقنع نفسه أنه مات ..

و هبّ من نومه مذعوراً ، و قد سرت في بدنه رعدة ، و دبّ الرعب في جسمه دبيب النمل ، و جلس في فراشه يرتجف من الخوف ، و راح يمرر يده على وجهه ، ثم يتحسس جسمه ، ليقنع نفسه أنه مازال حياً يُرزق ، و أخذت رهبته تنقشع رويداً رويداً ، حتى إذا ما اطمأن قليلاً ، راح يفكر في حلمه ، فعادت إليه رهبته ، و فكر فيما يفعله لو حبس رزقه عنه ، فربا خوفه ، و زاد اضطرابه ، و نهض من فراشه يجوس خلال داره ليهدئ قلبه الثائر المرعوب ..

راح يتلفّت حوله فرأى بديع الرياش الذي أثث به داره ، و لمح مقعداً وثيراً ، فاتجه إليه ، و غاص فيه ، و راح خوفه ينقشع ، حتى إذا هدأت نفسه ، و زال خوفه ، فكر في أمره ، فشعر لأول مرة بأنه سعيد ، و أنه في نعيم .. " 


عبد الحميد جوده السحّار
من كتاب " قصص من الكتب المقدسة " 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق