الأربعاء، 8 فبراير، 2012

أم العواجز ..


" لا أحد يحتاج إليها الآن .
و لم تعد هي بحاجة إلى أحد .
إنها الوحدة الحقيقية كما لم تتصور وقوعها يوماً .
ها هي مثل بوادر الشتاء و بلا ضجيج ، قد جاءت .


وحدة حقيقية لا مهرب منها . الوحدة الفاصلة بين الابن و بينه هو نفسه حين يصبح أباً ، و بينها و قد نفدت أمومتها أو ما تبقى منها و بين عودتها من جديد لتصبح هي نفسها ابنة .. ابنة لأم لا وجود لها ، و ربما لهذا سموها أم العواجز . فالإنسان لا يستطيع البقاء إنساناً إلا ابناً كان أو أباً ، فإذا انتهت رجولته و أبوته عاد ابناً ، و إذا انتهت أمومتها عادت ابنة . قاعدة ليست لها شواذ .


و لكنها الآن في لحظة واحدة فاصلة ، كوحدة السيدة زينب نفسها و قد تجمع حولها و أمسك بحلقات ضريحها أناس كثيرون ، رجال و نساء ، و كلهم و كلهن وحيدون و وحيدات مثلها . كلهم و كلهن قد أصبح أملهم أن يعودوا أبناء و بنات ، و حبذا لأم العواجز .. الوحيدة في قبرها رغم ما حوله من ازدحام ..


يحاول كل متزاحم أن يتشبث إلى درجة البكاء و العويل بحلقة من حلقات الضريح ، و كأنما ليلغي ما بينه و بين صاحبة الضريح من مسافة ، و ينجح في النهاية أن يخرج من وحدته و يحس بها أمه ، و لو كانت أم الجميع . فهي أيضاً رغم كل شئ وحيدة .


وحيدة في قبرها .
و حولها يتشبث الوحيدون و الوحيدات .
و الفاتحة لها و لهم . " 
يوسف إدريس 
من مجموعة .. " النداهة " 

هناك تعليق واحد:

  1. وحيدة في قبرها .
    و حولها يتشبث الوحيدون و الوحيدات .

    وطوبى للوحيدين!!

    ردحذف