الخميس، 20 أكتوبر، 2011

.. في ساحة انتظار !


يتكيء على عصاه ليبدو – وسط كل هذا الصخب – ساكن الجسد .. شارد العقل ! .. تسمع أذناه أصوات الفرحة و الطبول كأنه الحلم .. يحاول الحفاظ على مكانه في المقدمة كي يتسنى له متابعة الحافلات التي تحمل إحداها غائبه ! .. أجسادهم تموج من حوله كأنه الحشر ، لولا يقينه برحمة الخالق التي تتنزل عليهم في تلك اللحظات ! .. لم يكن يتأمل الوجوه التي تلوح أمامه من خلف الزجاج .. فالأمر بالنسبة له مختلف تماماً ! .. فقط كان ينتظره .. و هذا يكفي ، فيقينه أيضاً يخبره باقتراب تلك الخطوات التي ستجمعه به !


" أبي .. لقد عدت ! " .. سمعها همساً كأجنحة الفراشات ، و جذبته في قوة خاصة ليترك عصاه و يعود إلى الوراء في خطوات ثابتة تخلت عن آثار العجز القاسية ! .. ماله يشتم رائحته ! .. ماله يسمع أصداء صوته تسبح من حوله ! .. ماله يتقدم بالداخل كأن أحدهم يدفع جسده بعدما نُفِخ فيه الروح ! .. أبداً لم تكن لحظات ترقب .. كانت ببساطة لحظات شوق ، و شتان الفارق ! .. نظراتهم تؤكد له سلامة حدسه رغم مرور كل تلك السنين الجافة ! .. كلما صار أكثر قرباً أحس بدفء أنفاس ولده تعانق وجهه الصلب !


يبكي .. كان لابد له أن يبكي ! .. ها هو يزين ليالي القلق و الغضب و الصبر بدموع تحررت من أسرها معهم .. و معه ! .. راح يقبل بقاياه متألماً .. كانت آلام الفرحة التي لم يقدر جسده المطحون على حملها ! .. يحمل الرفات معه روح لم تضل ! .. حكايا عن أرق و خوف بين جدران باردة ! .. غريزة انتظار لعطايا خاصة كالمطر ! .. إيمان خرساني عميق يثبت النفس أمام شرور العالم كله ! .. ها هو يحمله في رفق بكفين متشبثين .. يضمه إلى صدره فتشتعل ذكرى أول ضمة كانت منذ أكثر من ثلاثين سنة ! .. لم يعد يحتفظ بصور له بعدما تناثرت محترقة مع أطلال المدينة ، لكنه يحس بذلك البعث الجديد الذي أيقظ في نفسه المزيد من الصور .. و ربما أيقظ معه تلك العظام الصامتة ! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق