الثلاثاء، 28 مايو، 2013

لو .. !


هنّأه عيسى ، و أخبره بأنه لا رغبة له في العمل في الآونة الحاضرة ، و نظر سمير فيما حوله في دهشة ثم قال :
_ أنظر إلى الإسكندرية كم هي خيالية !
_ الدنيا كلّها خيالية ، ما هذا بيمينك ؟

فناوله كتاباً قرأ على غُلافه " الرسالة القشيرية " ثم حدّجه بنظرة متسائلة فقال سمير :
_ ألم تسمع عن التصوّف ؟

فضحك ضحكة مختزلة و قال :
_ لم أعرف فيك اهتماماً من قبل !
_ هذا صحيح و لكني سمعت أحمد باشا زهران و هو يتحدّث عنه بجديّة حقيقية ، و قد أهداني في مناسبات مختلفة بعض الكتب عن الموضوع فوجدتني أبحث عنها في الأيام الأخيرة ..

و قال عيسى و وجهه لم يتخلّص بعد من ذيول ضحكته :
_ و هل أنت جاد فيه أم المسألة مجرّد تسلية ؟!

فقال و هو يفرغ زجاجة الكوكاكولا في الكوب :
_ أكثر من تسلية ، فيه راحة حقيقية للقلب .

ثم بعد شربة أتت على نصف الكوب :
_ و كونك لا تبحث عنه إلّا تحت ضغط ظروف معينة لا يجحد فضله فقد لا نذهب إلى أسوان شتاءاً إلّا لمعالجة مرض و لكن هذا لا يطعن في فائدة أسوان للمريض و الصحيح على السواء ..

فقال عيسى ساخراً :
_ و لكن يوجد و لا شك فارق بين أن نتصوّف حيال أزمة سياسية و بين أن نتصوّف لوجه الله و الدنيا مقبلة علينا .

فابتسم سمير في صبر و تجلّت شفافية عينيه الخضراوين أصفى من السُحب الناصعة البياض و قال :
_ نعم ثمّة فارق و لكن العبرة بالنتيجة ، و أحياناً تدهمنا كارثة لتهدينا سواء السبيل !
_ و لكن هب الدنيا ..

و انقطع عن الحديث فجأة - كأنه عثر في الصمت - بسبب نظرة طويلة تبودلت بينه و بين المرأة النصف المصاحبة للعجوز ، ثم رجع إلى صاحبه و قال لنفسه : لو سارت الأمور كما يشتهى لكانت سلوى زوجة له منذ عام على الأقل . لو ؟! . و سأل سمير :
_ ما رأي التصوّف في حرف " لو " ؟!

و لم يدرك سمير مرماه فأجاب هو :
_ لو حرف لوعة يطمح بحماقة إلى توهُّم القدرة على تغيير التاريخ .

فقال سمير ببساطة :
_ من هذه الناحية فهو إنكار لإرادة الله المتجلّية في التاريخ من شأنه أن يضفي عليه عبثاً و لا معقولية ..

سلوى لم تتزحزح من قلبك . رغم احتقارك لشخصيتها . و قد يقرر العقل مواصفات للمرأة المثالية و لكن الحب في صميمه سلوك لا معقول . كالموت و كالقدر و كالحظ . و ما أشبه سلوى بالدنيا في المعاملة ، و لكنك ستظل في حاجة إلى امرأة فهي مسكن طيب للآلام يفوق التصوّف على الأرجح . و تذكّر السؤال الذي قطعه فقال بنغمة اعتذار :
_ هب الدنيا وعدتنا مرّة أخرى بالوزارة فماذا تصنع بالتصوّف ؟

فضحك سمير حتى لمعت أسنانه النضيدة و قال :
_ غير مستعص أن أمارس الاثنين معاً ، هكذا فعل أحمد باشا زهران أكثر من مرّة ، و ها أنا أجمع بين التصوّف و التجارة ، و هو لا يخمد النشاط و لكنّه ينقّيه من الشوائب .. !

فقال عيسى بحزن : 
_ و هو على أي حال خير من الانتحار !

و أشرقت الشمس مقدار ثوان ثم توارت . و سأله سمير عمّا ينوي أن يفعل فسأله بدوره :
_ هل انتهينا حقّاً ؟

فهز رأسه في حيرة قائلاً : 
_ هو الأرجح فليس الأمر كالانقلابات الماضية ..

فسكت عيسى مليّاً كأنما يصغي للصمت الشامل ثم قال : 
_ ما أشبهنا بساحل الإسكندرية في الخريف !
_ لذلك أقول لك إنه لابد أن نعمل ..
_ و مع أي عمل سنتّخذه سنظل بلا عمل ، لأننا بلا دور ، و هذا سر إحساسنا بالنفي ، كالزائدة الدوديّة ..

ثم و هو يبتسم :
_ و لا أخفي عليك أن لي تصوّفي الذي يشاغلني في الوحدة .

فتطلّع إليه باهتمام فقال الآخر ببساطة :
_ إني أفكّر في احتراف الجريمة ..

فضحك سمير طويلاً ثم قال : 
_ يا له من تصوّف بديع !
_ غير أنك لا تقتل فيه جسدك أنت و لكن أجساد الآخرين .

و ضحكا معاً حتى قال سمير :
_ نحمد الله فلا زالت لدينا القدرة على الضحك ..
_ و سنزداد ضحكاً كلّما رأينا التاريخ و هو يصنع لنا دون أن نشارك فيه كأننا الأغوات ..

و هبّت نسمة لطيفة ، و بدا الباشوات كالنيام و لغير ما سبب تذكّر أول خطبة له في بيت الأمّة و هو طالب بالجامعة . قال بأسى :
_ تاريخنا نفسه مهدّد بالإبادة ..
_ التاريخ واسع الصدر ، و سيدافع عن نفسه بعد انقراض المتخاصمين جميعاً ..

و مر بهما مدير المحل الرومي فابتسم إلى عيسى و سأله عن الصحة و عن الحال فأدرك من توّه المغزى السياسي لسؤاله و قال باسماً :
_ هي كما ترى ..

و عندما رجع إلى عمارته شاهقة الارتفاع القريبة من محطة الترام كان يجتر حزناً على فراق سمير . و لعن و هو يخوض عتمة المدخل الطويل سلوى . و قال لنفسه و هو يدخل إلى المصعد : " ما أحوجني إلى مسكن " .


نجيب محفوظ
من رواية .. " السِمّان و الخريف "

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق