الاثنين، 26 سبتمبر، 2011

غريزة ..


أجل كان يريد الزواج بأخرى ، لكن .. المشهد كان غريباً ! .. راح يتابعه كتمثال جامد ليس فيه سوى عيون تدمع بالصدمة ! .. كان الأب يقف حائراً بين زوجاته و ولده الجالس أمام جثمان أمه ! .. عقل الصغير لا يدرك بعد سر ذلك السكون فراح يحث أمه على النهوض بلمساته تارة و قبلاته تارة أخرى ! .. كانت عيونهن صلبة لا تلمع إلا عندما ينظرن للأفق الذي يحثهن على مواصلة تلك الرحلة .. أما هو فالحيرة كانت تسيطر على خطواته و لا يعلم إن كان سيبقى بجانب الصغير أم سيخضع لغريزة الترحال ! ..


كان المشهد غريباً ، لكن الأغرب ما قاله لي أن كل ما رآه ليس سوى لقطة من برنامج يتحدث عن هجرة الحمير الوحشية !! .. لم تجبره دهشتي على التوقف بل استمر في حديثه كأنه لا يراني ! .. أخبرني بأن نهاية المشهد لم يكن يتوقعها ، فقد فضّل الأب البقاء بجانب صغيره متحدياً قوة غريزة الهجرة في موقف استثنائي ! .. قال إنه حينها شعر بالخجل من نفسه عندما عجز أن يكون مثل هذه الدابة ! ، فهو لم يتردد مثلها لإنه لم يفكر في أبنائه أصلاً ! .. لا ينكر أنه عانى أوقات صعبة لسنوات بسبب مرض زوجته ، لكنها الآن تماثلت للشفاء و استطاعت أن تقف على قدميها من جديد ! .. كانت تخبره بأنه سببها الخاص الذي ساعدها على العودة للحياة مرة أخرى ! .. لكن ما حدث بعد ذلك لم يستطع أن يجد له تفسيراً ! .. كان يعلم أنه يستسلم للملل حتى يسيطر عليه السخط غير المبرر ! .. كان يدرك أنه يتجاوز مرحلة الشجار ليصل إلى ما هو أسوأ .. الصمت ! .. لم يعد " موجوداً " بينهم كما كان في السابق و إنما أضحى " متواجداً " !


عندما صارحها بفكرة الزواج بأخرى سألته عن السبب .. قال إنه يتوق لبدء حياة جديدة تحمل معها صفاء مختلفاً ، لا تشوبها صور مؤلمة لخوف أو حزن فقد تحمل – على حد قوله – ما لا طاقة له به ! .. بملامح صلبة و نبرة مختنقة أخبرته بأنها الأحق ببدء تلك الحياة الجديدة ، فهي من كانت تحتضر بسبب المرض أو على الأقل كانت آلامها أقوى مما كان يعانيه هو ! .. قالت له إنها لا تمانع فكرة زواجه لكن بشرط وحيد تعتقد أنه لن يكلفه شيء .. أن يطلقها ! .. كان ردها كفيلاً بأن يوقفه لأيام عن المجادلة ، و عن الكلام ، و عن التفكير .. فلم يكن بوسعه فقط سوى الهروب !


أمعن في صمته لشهور غير قادر على اتخاذ أي قرار حتى شاهد ما شاهده ليستيقظ عقله مجدداً ! .. كانت الأسئلة تلاحقه من دون رحمة .. لماذا قرر الزواج بأخرى بعدما تماثلت زوجته للشفاء ؟ ، أليس في ذلك قسوة ؟ .. لماذا لم يفكر في حياة أبنائه حينما يذهب هو إلى حياته ؟ ، أليس في ذلك أنانية ؟ .. لا ينكر أنه يقدس الحياة و يرغب في الاستمتاع بها طالما في صدره قلب ينبض ، لكن حين يكون للمرء أبناء فإنه ينظر للعالم كأنه يراه لأول مرة ! .. يكتشفه بطريقة مختلفة ، يزداد خوفه ، تقل جرأته على الاقتحام و المواجهة ، يختزل أحلامه كلها – التي يعرفها و التي لم يدركها بعد – في هؤلاء الصغار ! .. تتلاشى ذاتيته فلا يصبح واحداً ، بل يدع نفسه تتفرق فيهم و بينهم في رضا ! .. يعيش حياة أخرى لها سعيها الدائم ، طموحها المميز ، انكسارها المحفز .. إنها الغريزة .. إنها الأبوة ! .. أخبرني بأن ما يمر به يخصه وحده فلا داعي لأن يحمل أسرته ثمن أنانيته ! .. سيحاول أن يجد حلاً للمشكلة بدلاً من الهروب منها ، فعقده الخامس - على حد قوله -  يخبره بأن العالم لم يعد يحتمل أي بدايات جديدة !
من مجموعة .. " ما بين السطور حواديت
للتفاصيل و كدة يعني إكليك هنـــــا .. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق