الخميس، 8 نوفمبر، 2012

شَجَرةُ الكَرز ..


كعادتي .. اليوم أذكرها علناً و بطريقتي الخاصة ! .. أعددت الكعكة و زيّنتها بحبّات الكَرز الصغيرة .. إنني أتجاهل ذكرى يوم رحيلها و لازلت أحتفل بيوم مولدها إلى الآن ، بالضبط كما تعوّدت منها أنا و أبي ! .. كلّما حاصرني حُزن ، أجد طريقة ما للهرب منه ، هذا ما أقدر على فعله مادمت غير قادرة على التخلُّص منه ! .. الهروب في تلك الحالة ليس جُبناً و إنما طريقة ذكيّة للنجاة ! .. و أنا أدرك نفسي جيّداً و لهذا لا أريد أن يتمكّن مني الضعف و أنا في منتصف الطريق !

اليوم أذكرها .. بالطبع لا يمكنني أن أنساها للحظة ، و لكن في هذا اليوم لا أستطيع الهروب من التفاصيل الأخيرة معها .. تلك التفاصيل التي أجترّها مرّة واحدة كل عام .. و لا أبكي ! .. كانت كُتلة رقيقة لم تُخلَق لهذا العالم و لذلك فلم تقدر على التعوّد ! .. عندما كانت تبكي ، فإنها كانت تفعل ذلك كأنها المرّة الأولى على الإطلاق ! .. كانت تخاف بكل كيانها كمن يتعرّف على شعور جديد اسمه الخوف ! .. كانت تصرخ فَزَعاً في كل مرّة بالقوّة نفسها و بإحساس أوّل صرخة أطلقتها عندما خرجت إلى هذه الدنيا !

و بسبب ما كانت تقوم به رغماً عنها ، فإنها عانت كثيراً حتى تفسّر لنا ذلك ! .. قالت لأبي إن من يتعوّد على الحياة فحتماً سوف يمتد به عُمره .. و لقد صدقت ! .. لقد اعتاد أبي كل شئ .. زئير الطائرات ، أصوات الانفجارات ، صرخات المتمسّكين بالحياة ، تشوّه الأبنية و الطرقات ! .. لقد كان يحاول تجاهُل هذه الحياة من أجل الاستعداد لأخرى عليه أن يعمل فيها و يستمر في ذلك ، بل و يحاول محو كل ما كان من ذاكرته و ذاكرتي ! .. حاول كثيراً ، و فشل كثيراً ، لكنه لم ييأس يوماً .. لقد اعتبرها رسالته الوحيدة و لذلك فإنه لن يكف عن المحاولة أبداً !

منذ رحيلها و قد بدأت أحس بحلاوة الكَرز في فمي ! .. كانت تحاول جعلي أحبه مثلها ، لكنني كنت أرفض .. أرفض بشدّة ! .. لم أكن أفعل سوى أنني أتذوّق واحدة صغيرة ليبدو بعدها وجهي و هو يتألّم من طعمه ! .. كانت تنظر لي و تضحك ، لكني كنت أنظر لها في شفقة و أقول لها بصدق .. " إنه مُرّ " ! .. لم يكن يحلو لها إعداد الطعام إلا في الشرفة ، لتبدو السماء و بقايا البيوت كشهود عليها ! .. لم تهرب مثلي و أبي ! .. قدرتها على المواجهة كانت مخيفة ! .. أذكر أن أبي صاح فيها يوماً و هو يقول إنها بذلك ستكون الهدف التالي ! .. كانت المرّة الأولى التي أشاهده فيها و هو يصرخ في وجهها ، و بالرغم من ذلك لم تجبه و لم تهتم للأمر برمّته ، بل لم يكن لها أي رد فعل حتى ! .. كل ما قالته إنها لا تملك سوى سكين سلمي ، لا يصلح إلا لإعداد الطعام و تقشير الثمار !

كانت تعتذر لي كثيراً قبل رحيلها بأيام معدودات ، و كنت أسمعها تلوم حالها على ذلك القرار الذي اتخذّته و أبي ، عندما أُجريت لي تلك الجراحة فاستطعت رؤية العالم ! .. و لكن بمجرّد أن تمكّنت من رؤيته أخذ في الانهيار فلم أرَ سوى أشياء تختفي و أخرى تختبئ .. و النتيجة إنني لم أرَ شيئاً ! .. في اليوم الأخير كانت النهاية على أشدّها بالخارج ، و وجدنا أمي و قد أتت بطبق ملئ بحبّات الكَرز ! .. سألها أبي من أين جاءت به ؟! ، فأجابته بأنها حصلت عليه من شجرة الكَرز المزروعة أمام البيت ! .. لم يفهم ! ، لأنه لم يكن هناك شجرة و ربما لم يكن هناك بيت أيضاً ! .. راحت تأكل ما في الطبق ثم نظرت إليّ لتخبرني بأنني كنت مُحقِّة .. فلقد اكتشفت للتوّ أن الكَرز طعمه مُرّ !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق