سيدي الـ .....
" عذراً .. فأنا في حالة نادرة الآن أنستني الألقاب جميعها ، و عموماً الألقاب في هذه اللحظة لا تهم " .
سيدي .. حالتي نادرة و مختلفة مثل رسالتي .. فأنا أرسلها لك من دون أن أحرك قلمي فوق السطور أو أن أطلق العنان للساني .. فأنا أعلم جيداً أنك لا تسمع لإنك لا ترغب في ذلك .. ستدير لي ظهرك لإنك لا تود أن ترى – ربما لشعورك بالصدمة – .. و بعد كل ذلك لا أعتقد أنك ستصبح قادراً على الكلام حتى و إن تحركت شفاهك ..
رغم أنه لم يعد على هذه الأرض إلا أنه يجد مكانه بينهم بالرغم من تزاحمهم الشديد .. ينظر إليهم كأنه يراهم للمرة الأولى .. إنهم مختلفون ! .. أين ذهبت قسماتهم الصابرة ؟! .. كلما أعاد النظر فيهم يرى شيئاً مختلفاً .. كأنهم ينظرون للاشيء .. تتطلع أعينهم لشيء غير مادي أو أنه غير متجسد أمامهم ! .. يردد معهم هتافاتهم التي تهتز لها الأرض و الأجساد .. هو أيضاً يشعر بتلك الانتفاضة رغم أنه ودع جسده منذ أيام .. ينصت لأصواتهم غير المسموعة .. لأحاديثهم الداخلية .. يتسائلون ماذا بعد الخوف ؟ ، فيجمعون على إجابة واحدة .. إنه الموت ! .. و لكن حتى هذا الموت لن يأتي بسلام .. و لإنه سيكون كذلك فما جدوى الصمت أو الخوف إذن ؟
كانت تنتظرها أمام محطة المترو بنظرات قد تبدو شاردة و لكن بعقل واعي أكثر من اللازم ، فهي لم تعد ترى شيئاً حولها إلا بعض الخيالات و كأنما خضعت جميع حواسها إلى عقلها فقط حتى قطع صوت هاتفها المحمول ذلك التفكير العميق .. إنها أختها تبلغها بأنها ستصل بعد ساعة و ليس الآن .. كعادتها شعرت بالضيق فهي تقدس المواعيد إلى أقصى درجة و تكره التأخير .. لكن الموعد في العاشرة و النصف و ها هي ساعة يدها الرقمية تدق التاسعة .. لم تسأل نفسها ما الذي أتى بها مبكراً إلى هذه الدرجة فهي تعلم الإجابة جيداً .. إنه التفكير و لا شيء غيره ..
خطواتها بطيئة لكن ثابتة .. لا تدعي العلم بكل شيء فيكفي فقط أنها تعلم نفسها أكثر من أي شخص آخر .. لا تتحدث عن نفسها فهي تكره ذلك .. أو أنها لا تعرف كيف تتحدث عن نفسها أصلاً ، فهي تخشى أن تعظم منها فتتهم بالغرور أو تصفها بكلمات تافهة و هي لا تدري فتصبح في نظر الناس صغيرة لا تعلم شيئاً عن الثقة بالنفس .. لذلك فهي تفضل الصمت و الحديث بأفعالها فقط ..
تعشق الأطفال ، فهي مثل باقي بنات جنسها ولدت بغريزة الأمومة و لذلك فهي تعشق الأطفال ، و لكنها تكرههم ! .. أجل .. تكرههم حين تكبر عضلاتهم و تخشن أصواتهم و تنبت شواربهم و كان هو من ساعدها في ذلك !!
خلايا عقله مشتتة .. مشاعره مستهلكة .. قلبه أصبح كسلة المهملات .. هكذا كان شعوره ، كان على استعداد لتحمل أي شيء و كل شيء .. كان قوياً .. صبوراً .. مرناً .. يحاول بشتى الطرق أن يتعامل مع من حوله .. يحاول أن يعيش .. ألا يخسر أحدهم و ألا يكره أحد ، فليس من الضروري عنده أن يحب كل الناس لكنه كان حريصاً ألا تتسلل الكراهية إلى قلبه .. يحاول أن يحتفظ بمكانه بينهم وسط خشبة المسرح ، فهو لن يقبل بمكان آخر .. ببساطة أي مكان آخر ليس مكانه .. و لكنه كان ...